خليل الصفدي
168
أعيان العصر وأعوان النصر
الإقبال متشابها ، وجاذبته السيادة أهداب هدابها ، ومدت له المعالي من المجرة طويل أطنابها ، وذرب هذه الوظيفة فعرفها جيدا كما أن أهل مكة أخبر بشعابها « 1 » ، وتشوقت عوده إليها تشوق الروض إذا ذوى إلى صوب الغمام ، وتشوقت إلى رجوعه تشوق المشتاق إلى نوح الحمام . فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الكاملي السيفي - أعلاه اللّه تعالى - أن يفوض إليه نظر الحسبة الشريفة بالشام المحروس لأنه أفضل من سكته التجارب ذهبا ، وأولى من دربته المعارف فأظهرته حساما ماضي الشبا . فليباشر ما فوض إليه مباشرة ألفها الناس من سياسته ، وعرفها الأنام من حميد رئاسته ، وعهدها الرعية لما أنامهم الأمن في مهد حراسته ، وشهدها البرية من جميل أصله ونفاسته ، لأن آثار اعتماده في الجامع المعمور للعيون مشاهدة ، وحسنات صنيعه في صحائف الأيام والليالي خالدة ، ومحاسن ما زخرفه في جدرانه على كل عامود حالة ، وعلى كل قاعدة قاعدة . هذا إلى ما أنماه من أجوره ، وأسماه من إدرار ما عليه من الرواتب حتى شارك بها الواقف في أجوره ، ووصايا هذه الحسبة الشريفة كثيرة إلى الغاية عزيزة ، لا يقف القلم في سردها عند نهاية ، شهيرة عند معارفه التي أصبح فيها آية ، ولكن القلم يطرق عند مثله لائذا بالصمت ، ويجف ريق المداد في لهوات الدواة ، هيبة لما يراه فيه من عظمة الوقار ، وحسن السمت . فاجر فيها على عادتك الحسنى ، وأول الناس فيها أمنا ، ومنا ، واستعمل البأس في موضعه الذي يليق به وضعا ، ولكن عز مكانه فإن الغدر والخيانة يكونان في أكثر الناس طبعا ، وأمر نوابك - أعزك اللّه - أن يحذروا في العفة والأمانة حذوك ، وأن يتلوا في حسن السياسة تلوك ، وأن يصبروا على مر طريقك في المباشرة إن أرادوا أن تسوغهم حلوك ، ولا شيء يزين الإنسان مثل تقوى اللّه فإنه واسطة العقود في الصفات المحمودة ، وزينة الوجوه في السمات المشهودة ، تصدق يوم القيامة إذا كذبت الظنون ، وتنفع يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ [ الشعراء : 88 ] ، وأنت بحمد اللّه لا ينوب فيها أحد منابك ، ولا يزر عليها سواك ثيابك ، وإنما الخطاب لك ظاهرا وأردنا بباطنه نوابك ، فلتكن خطوتهم كل خطوة ، وجلوتهم في كل جلوة ، واللّه يتولى إعانتك على ما ولاك ، ويزيدك مما أولاك ، والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) « أهل مكة أخبر بشعابها » هذا مثل يضرب على أن أهل كل مدينة أخبر الناس بطرقها ، ومسالكها ، ودروبها ، وأخلاق الناس فيها وما يخرج منها وما يدخل إليها .